
تتجدد المأساة الإنسانية في السودان، وهذه المرة من بوابة الفاشر وكاودا، حيث يكشف التفاوت بين المنطقتين حجم الازدواجية في معايير المنظمات الأممية، ويطرح سؤالًا مؤلمًا حول مدى حياد العمل الإنساني: لماذا تتبدّل الإنسانية حين تتبدّل الجغرافيا؟
ازدواجية المعايير.. إنسانية مشروطة بالموقع
في الوقت الذي نجحت فيه منظمة اليونيسف بإيصال مساعدات إنسانية إلى كاودا، رغم صعوبة تضاريسها، تعجز المنظمة ذاتها عن دخول الفاشر، المدينة الأقرب جغرافيًا والأسهل لوجستيًا. نجاح العملية في كاودا جاء بفضل تفاهمات مع مليشيا الدعم السريع، بينما توقفت الشاحنات المتجهة إلى الفاشر بانتظار تصاريح لم تصدر بعد من المنظمات الدولية.
كاودا.. جغرافيا وعرة لكن سياسة سهلة
مصادر ميدانية أكدت لـ”الدستور” أن اليونيسف تمكنت من نقل الإمدادات إلى كاودا باستخدام وسائل بدائية كـ”التركتور” و”الترلة”، بعد حصولها على إذن مباشر من قيادة الدعم السريع، ما أثار دهشة المراقبين حول أولويات المنظمات في التعامل مع الأطراف المتحاربة.
الفاشر.. مدينة قريبة بعيدة
تبعد الفاشر أقل من 80 كيلومترًا عن مدينة طويلة، وتمتلك طرقًا معبّدة وآمنة، إلا أن المساعدات توقفت عند أطرافها بسبب تعقيدات إدارية وسياسية، رغم تأكيد الجيش السوداني استعداده لتأمين الممرات الإنسانية بالتنسيق مع الأمم المتحدة.
مأساة إنسانية تتفاقم
داخل المدينة، يصف السكان الوضع بـ”الكارثي”، حيث نفدت المواد الغذائية والأدوية، وتحوّلت المستشفيات إلى نقاط إسعاف بلا كهرباء ولا إمدادات. ويعتمد الأهالي على جهود شعبية ومبادرات محلية مثل “الجسر الجوي المدني” التي تسعى لسد فراغ تركته المنظمات الكبرى.
العمل الإنساني بين الحياد والصفقات
يرى مراقبون أن ما يحدث يعكس تسييس العمل الإنساني، وتحويله إلى ورقة تفاوض ميدانية، إذ تُظهر بعض الوكالات الأممية مرونة مفرطة مع المليشيات، مقابل تباطؤ في التنسيق مع الحكومة الشرعية في بورتسودان.
ويحذر محللون من أن “المساعدات تُوزّع اليوم وفق النفوذ الميداني لا وفق الحاجة الإنسانية”.
اختبار عالمي لأخلاقيات الإغاثة
تبقى الفاشر عنوانًا لاختبار أخلاقي للمجتمع الدولي: فهل تنتصر القيم الإنسانية على الحسابات السياسية؟ أم يثبت مجددًا أن “الحياد الإنساني” مجرد شعار جميل يخفي وراءه واقعًا ملوثًا بالمصالح؟
بين كاودا التي فتحت أبوابها برضا المليشيا، والفاشر التي تنزف بصمت خلف خطوط الانتظار، يظل السؤال الموجع معلقًا: هل فقدت الإنسانية بوصلتها؟






